محمد بن جرير الطبري
45
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فيها : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ . قال : فيقولون : ما أيسنا بعد قال : ثم دعوا مرة أخرى ، فيقولون : رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ قال : فيقول الرب تبارك وتعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها يقول الرب : لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يقول : بما تركتم أن تعملوا ليومكم هذا ، إِنَّا نَسِيناكُمْ أي تركناكم ، وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . قال : فيقولون : ما أيسنا بعد قال : فيدعون مرة أخرى : رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ قال : فيقال لهم : أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية ، قال : فيقولون : ما أيسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى : رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ، قال : فيقول : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ إلى : نَصِيرٍ . ثم مكث عنهم ما شاء الله ، ثم ناداهم : أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ فلما سمعوا ذلك قالوا : الآن يرحمنا فقالوا عند ذلك : رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا أي الكتاب الذي كتب علينا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها الآية ، فقال عند ذلك : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ قال : فلا يتكلمون فيها أبدا . فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم ، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض ، فأطبقت عليهم . قال عبد الله بن المبارك في حديثه : فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه قال : فذلك قوله : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر بن عبد الله ، أنه قال : فوالذي أنزل القرآن على محمد والتوراة على موسى والإنجيل على عيسى ، ما تكلم أهل النار كلمة بعدها إلا الشهيق والزعيق في الخلد أبدا ليس له نفاد . حدثنا القاسم ، ثني حجاج قال : ثني حجاج ، عن أبي معشر ، قال : كنا في جنازة ومعنا أبو جعفر القارئ ، فجلسنا ، فتنحى أبو جعفر ، فبكى ، فقيل له : ما يبكيك يا أبا جعفر ؟ قال : أخبرني زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون . وقوله : وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ يقول : كنا قوما ضللنا عن سبيل الرشاد وقصد الحق . القول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الذين خفت موازين صالح أعمالهم يوم القيامة في جهنم : ربنا أخرجنا من النار ، فإن عدنا لما تكره منا من عمل فإنا ظالمون . وقوله : قالَ اخْسَؤُا فِيها يقول تعالى ذكره : قال الرب لهم جل ثناؤه مجيبا : اخْسَؤُا فِيها أي اقعدوا في النار . يقال منه : خسأت فلانا أخسؤه خسأ وخسوءا ، وخسيء هو يخسأ وما كان خاسئا ولقد خسيء . وَلا تُكَلِّمُونِ فعند ذلك أيس المساكين من الفرج ولقد كانوا طامعين فيه ؛ كما : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، قال : ثني أبو الزعراء ، عن عبد الله ، في قصة ذكرها في الشفاعة ، قال : فإذا أراد الله ألا يخرج منها يعني من